القائمة الرئيسية

الصفحات

أخبار

د. محمد جابر الأنصاري: عروبة الإسلام جسر لعالميته

 د. محمد جابر الأنصاري: عروبة الإسلام جسر لعالميته

عروبة الإسلام جسر لعالميته

د. محمد جابر الأنصاري

من الأسس المهمة التي لم يتم تقديرها بدرجة وافية في تفكير الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده تفسيره للتاريخ الاسلامي ولظاهرة ازدهاره وانحطاطه من منطلق عربي يتجاوز المثالية الدينية العامة في نظرتها الى مختلف الأقوام المسلمة، وينزع وجهة الواقعية التاريخية التي اكتسبها عبده من إعادة اكتشافه لابن خلدون من ناحية، ومن تأثره بالمفكرين الاجتماعيين الأوروبيين من ناحية أخرى.


يقول في مجال تحديده للمنعطف الذي تحوّل عنده الاسلام من الصعود الى الانحدار تحت باب جمود المسلمين وأسبابه “كان الاسلام ديناً عربياً، ثم لحقه العلم فصار علماً عربياً، بعد ان كان يونانياً. ثم أخطأ خليفة في السياسة، فاتخذ من سعة الاسلام سبيلاً الى ما كان يظنه خيراً له. ظن ان الجيش العربي قد يكون عوناً لخليفة علوي لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبي..


فأراد ان يتخذ له جيشاً أجنبياً من الترك والديلم وغيرهما من الأمم التي ظن انه يستعبدها بسلطانه.. فلا تساعد الخارج عليه وفي سعة أحكام الاسلام وسهولته ما يبيح له ذلك. هناك استعجم الاسلام وانقلب أعجمياً.


“خليفة عباسي أراد ان يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه أكثر من ذلك الجند الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه، فلم تكن إلا عشية او ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء، واستبدوا بالسلطان دونهم، وصارت الدولة في قبضتهم ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الاسلام، والقلب الذي هذبه الدين.. “بل جاءوا الى الاسلام بخشونة الجهل، يحملون ألوية الظلم، لبسوا الاسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه شيء الى وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته”. (عبده، الاسلام بين العلم والمدنية: 166 167)


من الواضح هنا ان محمد عبده، على استيعابه العميق للروح الدينية الاسلامية يتجاوز النظرة الأممية الشاملة، ليعيد تفسير التاريخ الاسلامي تفسيراً عربياً صريحاً ذا طابع قومي محدد لا يشاركه فيه مفكرون مسلمون من قوميات أخرى. ولعل موقف محمد عبده يغدو أكثر وضوحاً وتميزاً من الوجهة العربية إذا نحن وضعناه بموازاة موقف مغاير لمفكر ايراني مسلم معاصر هو سيد حسين نصر من مسألة الصلة ذاتها بين العروبة والاسلام حيث يقول: “ولد الاسلام في الجزيرة العربية، فحاق به لذلك خطر الانقلاب الى دين عربي، بدلاً من ان يبقى عقيدة عالمية”. (نصر، دراسات اسلامية: 15)


إن ما يراه هذا المفكر الايراني خطراً يهدد الاسلام، وجده محمد عبده الحقيقة الجوهرية لدين الاسلام وثقافته: كان الاسلام ديناً عربياً ثم لحقه العلم فصار علماً عربياً. وإذا كان الاسلام، في مستواه المثالي الأشمل، يتجاوز التفسيرين العربي والفارسي، فإن هذه المقارنة توضح لها عمق العنصر العروبي في تفكير محمد عبده، ومدى تغلغل الحس القومي العربي في نزعته الرامية الى اصلاح الاسلام وتجديده، وتحدد لنا أين يقف بتفكيره الديني من شتى التفسيرات الأخرى الأعجمية والأممية، في وقت كان فيه مثل هذا الوعي العربي مغيباً.


ولا يقتصر عبده على هذا الحكم التاريخي العام، بل تراه يحدد تفصيلاً التأثيرات المتشعبة لفقدان الاسلام هويته العربية وخضوعه للعناصر الأجنبية معتبراً ذلك الغياب العربي العلامة الفارقة الكبرى بين اضمحلال الاسلام المتحضر المزدهر وسيادة الأعجمي المتخلف، حسب نظرته (ومن ناحية الواقع التاريخي فإنه باستثناء الحضارة الفارسية فإن العناصر غير العربية القادمة من أواسط آسيا كانت فعلاً أقل تحضراً).


وقد نجم عن هذا الغياب العربي في نظره عدة نتائج انحطاطية خطيرة مشوهة لحقيقة الاسلام:


1- انحطاط في جوهر الفكر الديني، حيث توهم أولئك الأغراب الدين ناقصاً ليكملوه.. ونظروا الى ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية.. فاستعاروا من ذلك للاسلام ما هو براء منه (و) نجحوا في اقناع العامة بأن في ذلك تعظيم شعائره..


وقرروا ان المتأخر ليس له ان يقول بغير ما يقول المتقدم، وجعلوا ذلك عقيدة حتى يقف الفكر وتجمد العقول.. ورسخ في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم.


2- انحطاط في النتاج الثقافي العام بسبب ركود العامل الفكري المولد له. فقد: كانت جميع الفنون مسارح للعقول تقتطف ثمارها ما تشاء.. فلما وقف الدين، وقعد طلاب اليقين، وقف العلم وسكنت ريحه.. (الاسلام بين العلم والمدنية 168 189)


3- انحطاط في الحياة السياسية حيث نشرت العناصر الدخيلة فكرة الانفصال بين الحاكم والرعية، وضرورة ابتعاد الرعية عن “كل ما هو من أمور الجماعة والدولة”، ورد الفساد لا الى جور الحكام، بل الى القضاء والقدر وصروف الزمان واقتراب نهايته، مما قطع الطريق على أي اصلاح او تقدم.


ويجب ألا نمر بهذا الموقف التاريخي الفكري لمحمد عبده قبل ان نستخلص مدلولاته القومية كاملة:


1- إن محمد عبده يرى انحطاط الاسلام في نطاق الدين والفكر والسياسة قد بدأ عندما استعجم وانقلب أعجمياً، وإن ازدهاره كان مرتبطاً باخلاصه لجوهره العربي.


2- انه يتحدث في نطاق الاسلام ذاته عن “جند عربي” و”جند أجنبي” من ترك وديلم. والنظر الى هذه العناصر المسلمة باعتبارها أجنبية سيطرت على الاسلام واستعبدته، يتطابق مع موقف الرواد القوميين الأوائل في نظرتهم الى الوجود العثماني في البلاد العربية، بقدر ما يتناقض مع موقف الفقهاء المسلمين التقليديين.


وهذا يعني ان اصلاحه الديني المرتبط بالعودة الى جوهر الاسلام العربي كان إرهاصاً بظهور الحركة القومية العربية مثلما كان الاصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر إرهاصاً باستيقاظ الروح القومية الألمانية وإن لم يكن التعبير الفكري السياسي المباشر عنها.


3- إن محمد عبده يشكك في صحة اسلام تلك العناصر الأجنبية غير العربية التي لم يهذب عقولها وقلوبها الدين، والتي دخلت الاسلام بقصد السيطرة وهي تحمل آلهتها معها وتعبدها في خلوتها.


وهذا القول يؤدي الى استنتاجات خطيرة إذا أوصلناه الى نهايته المنطقية. فهو يعني ان العرب على بداوتهم وفطرتهم كانوا وحدهم المؤهلين لاستيعاب روح الاسلام والارتقاء به ومعه، وان العناصر الأجنبية تبقى أجنبية وإن أشهرت اسلامها، بل تصبح مبعث خطر يتهدده من داخله.


وعليه لا مخرج من الانحطاط إلا بعودة الاسلام الى أصوله العربية وجوهره العربي، وان يصبح، كما بدأ ديناً عربياً حسب محمد عبده. ويأتي هذا التفسير القومي للاسلام في فكر محمد عبده ليوفر الشرعية الدينية لحركة التحرر القومي من الترك، وإحياء الخلافة العربية كما طالب معاصره السوري عبدالرحمن الكواكبي باعتبارها مدخلاً لاستقلال الكيان العربي عن الامبراطورية العثمانية التي لا بد من الاقرار ان “الانحطاط” سيطر عليها قبل الغزو الأوروبي، وهذا الانحطاط الحضاري الأسبق هو الذي جعلها عاجزة عن رد الغزاة.


وما يجدر ذكره هنا ان محمد عبده كان يشارك برأيه ضمن هذا الاتجاه، وانه انفصل عن استاذه الأفغاني عندما تبنى الأخير فكر الدعاوة للجامعة الاسلامية خدمة لنفوذ السلطان عبدالحميد، كما ان شعور عبده بالكراهية تجاه الأسر التركية الحاكمة في مصر، وعميدها محمد علي، لم يكن خافياً في كتاباته ومواقفه.


لقد جرى التأكيد حتى الآن على مصرية محمد عبده، ولم يظهر دارسوه اهتماماً وافياً بالعنصر العروبي في تفكيره. ونحن نرى ان عبده، من منطلق الاصلاحية التوفيقية، قد أعطى تفسيراً عربياً صريحاً للتاريخ الاسلامي ولظاهره صعوده وانحداره، بما يتفق وبداية انطلاقته على يد النبي العربي، بقرآن عربي مبين، وبصحابة أغلبهم من أخيار العرب وأشرافهم يتقدمهم آل البيت.


وانه بهذا الموقف قد ميز نفسه عروبياً عن المفكرين المصريين الآخرين ممن سبقوه او جاءوا بعده. فالطهطاوي جمع بين المصرية والاسلامية دون منزع عربي واضح.


ولطفي السيد رفض الاتحاد العربي والجامعة الاسلامية، أي رفض الاتجاهين القومي والديني، باسم الوطنية المصرية. كما نظر طه حسين الى العهد العربي في تاريخ مصر باعتباره مرحلة تندرج ضمن التراث المصري الوطني وطابعه العقلاني المتوسطي، أي انه كان “غزواً” ضمن غزوات خارجية أخرى تعرضت لها مصر عبر تاريخها وهي مقولة خلافية في مصر ذاتها الى حد كبير. هذا بينما كان العهد العربي في تفكير محمد عبده هو العصر الذهبي والنبع الأصيل الذي عاد إليه في اصلاحه للفكر الديني، وتطويره للأزهر والمؤسسات التعليمية، وإحيائه للتراث العقلي، وبعثه للغة العربية. ويجب ان نضيف هنا ان الاهتمام الجدي الذي أبداه محمد عبده بشأن اصلاح اللغة العربية يكمل الجانب العربي في تفكيره ويمثل انجازاً آخر من انجازات دوره الثقافي القومي العربي.


هكذا فإن محمد عبده، في ضوء ذلك، يمكن اعتباره الرائد الفكري الأول للاتجاه العربي في مصر الحديثة. خاصة ان صلة مصر بالعروبة تمر عبر الاسلام.


* مفكر من البحرين. والمقال ضمن دراسة تنشرها مجلة “العربي” افتتاحاً لملف العدد

تعليقات